كيف ساندت تركيا وشبانها مُسلمي الروهنغيا؟

وكالة أنباء أراكان ANA | (تركيا بوست)
 
بورما قديما، ميانمار حاليا، دولة متعدّدة الأعراق، إذ تضم هذه الدولة داخل حدودها ما يقارب 140 عِرقية مختلفة، بلغات وطباع متنوعة، بين الكثير من هذه العرقيات، وفي إقليم يدعى “أراكان” توجد عِرقية “الروهنغيا”، لهذه العرقية قصة مختلفة عن غيرها، مأساتها التي لا تشبه أي مأساة في هذا العالم.
الروهنغيا الذين يدينون بدين الإسلام منذ قرون بعيدة، يعيشون حياة الاضطهاد والظلم بسبب ما يتعرّضون له من عِرقية “الماغ” البوذية، مع تواطئ العرقية الكبرى التي تحكم الدولة ضدّهم وتحالفها لإقصائهم ونهب حقوقهم وثروات أرضهم، وما بين قتل وحرق وسلب حقوق وظلم ومنع من إقامة شعائر الدين الإسلامي الذي رغم كل ما تعرّضوا له لم يتخلّوا عنه ولم يدينوا بدين غيره، تعيش هذه الأقلية المسلمة.
قصة أراكان والروهنغيا
يحدثنا رئيس مركز الروهنغيا العالمي، بمكة المكرمة، “عبد الله بن سلامة معروف“ عن قصة دخول الإسلام إلى بورما عن طريق ولاية أراكان، في القرن الأول الهجري، ويقول إنه تم “بواسطة التجار العرب، ويقال إنه كان على رأسهم الصحابي الجليل وقاص بن مالك (رضي الله عنه)، ومجموعة من التابعين، حيث كان العرب يمارسون مهنة التجارة، ولأجلها يسافرون إلى أقاصي البلاد، وفي يوم من الأيام تحطّمت سفينتهم أثناء سفرهم للتجارة في وسط خليج البنغال على مقربة من ساحل أراكان، فاضطروا للجوء إلى جزيرة رحمبري، بأراكان، وبعد ذلك توطّنوا فيها وتزوجوا من بنات السكان المحليين. فلما نجا هؤلاء العرب، أطلق عليهم السكان الأصليون تسمية “الروهنغيا” نسبة لروح النجاة. وهو ما تطور عليه الأمر بعدها، فباتت هذه التسمية منسوبة لعرقية الروهنغيا، وهم مزيج من العرب وعرقية السكان الأصليين، وبعدها انتشر الإسلام هذه المنطقة”.
ويشير إلى أن “للتجار العرب بصمات كبيرة في الدول الساحلية، فكان العرب يسمون هذه المناطق الساحلية باسم الروهيمية، فقديما أتى التجار العرب إلى ميناء بولاية أراكان، وهو الذي يسمى حاليا ميناء رحمبري، وهذا الاسم تحريف لاسم رحمة الباري، الذي أطلقه العرب عليه في الماضي”.
وعن أصل تسمية “أراكان”، يوضح بأنها ترجع لروايتين، “الأولى، أن أصلها يعود للوجود العربي القديم فيها، فكانوا يسمونها ولاية العرب، وأراكان، تعني: Arab country، إلا أنه تم تحريفها، بأخذ الحروف الأولى من الكلمتين إلى أراكان. والرواية الثانية، يُقال إن الكلمة أُخذت من كلمة أركان الإسلام. وكلاهما ربما لا يكون حقيقيا”.
وحول أصول السكان الأصليين في أراكان، “فهي: فارسية، وهندية، وتركية. ويقال إن هناك مقبرة جماعية للأتراك في الولاية، من الذين شاركوا في الحرب العالمية الثانية، وعندما علم الزعيم التركي أردوغان بالأمر ذهب واشتراها، وأوقفها لصالح المسلمين، وهذه المعلومة منشورة في الصحف التركية”.
وبالحديث عن ولاية أراكان، “فإن هذه الولاية فيها عرقيتان أساسيتان، وهما “الروهنغيا” المسلمين، و”الماغ” البوذيين، وهم الذين يسمون أنفسهم الآن بالـ”راخين”، وهم الذين حرّفوا اسم إقليم “أراكان”، إلى “أراخين”، كما يسمّون أنفسهم بالـ”راكين”. وبالأساس فإن اسم هذه العرقية هي الماغ البوذييين”.
يشار إلى أن هؤلاء البوذيين يختلفون عن البوذية في العالم، بأن “لديهم عقيدة التناسخ، فهم يعتقدون أن الروح الشريرة حلّت في الروهنغيا، ولذلك فهم يعتقدون أنهم حينما يعذّبون الروهنغي ويرجمونه فإنهم بذلك يخرجون منه الروح الشريرة! لذلك فهم يقومون بربط مسلمي الروهنغيا، ومن ثم يلقون عليهم الحطب، ويشعلون فيهم النار، وهم فرحون ضاحكون! معتقدين بذلك أنهم قاموا بعمل جيد في إطار مساعدة الآخرين!”
لماذا التنكيل بالروهنغيا؟
ويتطرق رئيس مركز الروهنغي العالمي، إلى أن ميانمار تنكِّل بالمسلمين لأنها جمعت ثلاثة سوءات: “الأولى، من الحكومة الإسبانية الفاشية، آخر دولة تخلّت عن الحكم العسكري في ميانمار، وما زال حتى اليوم الجنرالات يحكمون فيها، لكن الفارق هو أنهم خلعوا البزة العسكرية، ولبسوا البزة المدنية؛ مدّعين الديمقراطية، بينما جميع الممارسات هي ممارسات عسكرية! أما السوءة الثانية، فهي الشيوعية المقيتة التي تحكمهم بالنار والحديد، والتي تعيش وتستمر بامتصاص دماء الشعب. والسوءة الثالثة، هي العقيدة البوذية التفسّخية”.
وبسبب هذه السوءات زاد الضغط على مسلمي أراكان، التي تعد آخر دولة مسلمة من جهة الشرق، وجميع مناطق حدودها بوذية؛ بورما، وفيتنام، والصين، والفليبين.
ويوضّح بأن هناك 4 مصطلحات دائمة تتردّد في الصدى الإعلامي، وهي: ميانمار، وبورما، وأراكان، وروهنغيا، “بورما، هي الاسم القديم لهذه الدولة، وميانمار هو الاسم الحديث، يوجد في ميانمار وحدها 14 إقليما، وولاية أراكان هي ولاية ضمن هذه الأقاليم الـ14. وهذه التقسيمات الـ14 هي تقسيمات إدارية.  كما أن ميانمار، بشكل عام، فيها 135 عرقية، وأكبر عرقية فيها هي عرقية البورمان، ولذلك سمّيت الدولة باسم بورما نسبة لهم. كل العِرقيات الـ135 معترف بها، إلا عرقية الروهنغيا”.
الشباب الأتراك وقضية الروهنغيا :
يوضّح “عبد الله بن سلامة” بأن “تركيا لديها تاريخ عميق مع الروهنغيا، فمنذ اندلاع الأزمة في ميانمار، عام 2012م، لم نكن نعرف ماذا نفعل من كثرة جرائم القتل والتهجير، فاقترحوا علينا أن نطلق حملة في “تويتر” للتعريف بالقضية، ولندخل ضمن “التريند” العالمي، وتعريف العالم بالمأساة، فدشّنا هاشتاغ، Save arcana، وهاشتاغ،   Help arcana لكننا لم ننجح في هذه الحملة”.
وبعد ذلك “تواصل معنا شاب تركي، واقترح تحريك الحملة، في “تويتر”، من داخل تركيا، وفعلا تفاعل الشباب التركي، ودخلنا ضمن “التريند” العالمي، وكان هذا بعد الأزمة بشهر وأسبوعين”.
ويشير إلى أن “العمل في تويتر، مع الفريق التركي، كان متواصلا لخمس ساعات يوميا على الإنترنت، جهّزوا فيها ألف تغريدة بالصور، وكلها نُشِرت في يوم الحملة، مع تحديثات سريعة، فبرزت القضية الروهنغية في “التريند” العالمي، وشارك فيها العديد من الناشطين، حتى وصل الهاشتاغ في التريند العالمي وأصبح الأول على مستوى تركيا، والسادس على مستوى الشرق الأوسط”.
وبعد تعاون الشباب الأتراك مع القضية الروهنغية تطوّرت الأحداث، فيلفت رئيس المركز الروهنغي العالمي إلى أنه “في اليوم الثاني من الحملة في تويتر، قال رئيس الحكومة التركية، حينها، رجب طيب أردوغان، إن هناك أزمة للروهنغيا، وتويتر مهتم بها. وكان هذا التصريح هو أول موقف من رئيس دولة يتحدث عن أزمة الروهنغيا، وسبقه ملك السعودية الملك عبد الله، الذي قرّر دعوة جميع رؤساء الدول لمناقشة الأزمة”.
“صرخنا في كل العالم ولم يسمعنا أحد” :
يحدثنا نائب مدير المركز الإعلامي الروهنغي “عمران كبير الأركاني”، قائلا “عندما اندلعت الأزمة الأخيرة في 2011، صرخنا في كل العالم، ولم يسمعنا أحد، وفجأة ذهب وزير الخارجية التركي آنذاك، “أحمد داود أوغلو”، مع زوجة رئيس الحكومة التركية، “أمينة أردوغان”، ووصلوا لعمق أراكان”.
ويلفت إلى أنه “لم نكن لنتخيّل يوما أن يزور بلادنا وزير دولة، من كبار الدول الإسلامية، فلقد كنّا في سجن كبير، وكانت زيارته لفتة إنسانية وإسلامية أدخلت السرور والفرح على الشعب الروهنغي المسجون منذ 70 سنة في أكبر سجن في العالم، سجن أراكان، هذا الإقليم المحاصر بالبحر من الغرب، وبجبال الهيمالايا من الشمال، وخليج البنغال من الغرب”.
ويشير إلى إنهم طرقوا سابقا أبواب الدول الإسلامية ولكن لم يَفتح لهم أحد أبوابه “حاولنا التواصل مع الكثير من المنظمات والدول حتى عجزنا، دون تجاوب مع قضية مُسلمي الروهنغيا. لكن الآن، في المرحلة الأخيرة وجدنا التجاوب التركي مع قضيتنا، بعد أن قدموا الكثير للروهنغيين”.
عن الجهود التركية تجاه الروهنغيا :
ويلخّص رئيس مركز الروهنغي العالمي، جهود تركيا تجاه القضية الروهنغية، بأربع أمور: الأول، “أنهم وصلوا لجميع مناطق الروهنغيا في بنجلادش وأراكان وغيرها”.
الأمر الثاني، “ما يزال الأتراك مستمرين في مساندة القضية، وهم الذين دخلوا الآن واشتركوا مع مؤسسة عيد القطرية وانشأوا مناطق سكنية في أراكان.
الأمر الثالث، “تركيا أطلقت 4 سفن بحرية وعبرت البحر المتوسط، والمحيط الهندي، والبحر الأحمر، إلى أن وصلت لوسط خليج بلغاريا، وبحر أم درمان، ووصلت إلى مسلمي بورما والروهنغيا”.
الأمر الرابع، “الأعمال الخيرية التركية داخل أراضي الروهنغيا، ومنها توزيع المصاحف في رمضان على آلاف الروهنغيين، الذين يقولون إنهم منذ 40 سنة لم يكن معهم مصحف، وكانت زوجة أردوغان تبكي معهم وتحتضنهم”.

شارك

القائمة البريدية

بالضغط على زر الاشتراك، فإنك تؤكد أنك قد قرأت سياسة الخصوصية الخاصة بنا.